عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

169

اللباب في علوم الكتاب

[ قوله ] : تُثِيرُ الْأَرْضَ في هذه الجملة أقوال كثيرة : أظهرها : أنها في محلّ نصب على الحال من الضمير المستكن في « ذلول » تقديره : لا تذلّ حال إثارتها . وقال ابن عطية : وهي عند قوم جملة في موضع الصفة ل « بقرة » أي : لا ذلول مثيرة . وقال أيضا : « ولا يجوز أن تكون هذه الجملة في موضع الحال ؛ لأنها نكرة » . أما قوله : في موضع الصفة فإنه يلزم منه أن البقرة كانت مثيرة للأرض ، وهذا لم يقل به الجمهور ، بل قال به بعضهم ، وسيأتي إن شاء اللّه . وأما قوله : لا يجوز أن تكون حالا يعني من « بقرة » ؛ لأنها نكرة . فالجواب : أنّا لا نسلم أنها حال من « بقرة » ، بل من الضمير في « ذلول » كما تقدم ، أو تقول : بل هي حال من النكرة ؛ لأن النكرة قد وصفت وتخصصت بقوله : « لا ذلول » ، وإذا وصفت النكرة ساغ إتيان الحال منها اتفاقا . وقيل : إنها مستأنفة ، [ واستئنافها على وجهين : أحدهما : أنها خبر مبتدأ محذوف ، أي : هي تثير . والثاني : أنها مستأنفة ] بنفسها من غير تقدير مبتدأ ، بل تكون جملة فعلية ابتدىء بها لمجرد الإخبار بذلك . وقد منع من القول باستئنافها جماعة منهم الأخفش عليّ بن سليمان ، وعلل ذلك بوجهين : أحدهما : أن بعده : « ولا تسقي الحرث » فلو كان مستأنفا لما صحّ دخول « لا » بينه وبين « الواو » . والثّاني : أنها لو كانت تثير الأرض لكانت الإثارة قد ذللتها ، واللّه - تعالى - نفى عنها ذلك بقوله : « لا ذلول » وهذا المعنى هو الذي منع أن يكون « تثير » صفة ل « بقرة » ؛ لأن اللازم مشترك ، ولذلك قال أبو البقاء : ويجوز على قول من أثبت هذا الوجه - [ يعني : كونها تثير الأرض ولا تسقي - أن تكون « تثير » في موضع رفع صفة ل « بقرة » . وقد أجاب بعضهم عن الوجه الثاني ] ، فإن إثارة الأرض عبارة عن مرحها ونشاطها ؛ كما قال امرؤ القيس : [ الطويل ] 587 - يهيل ويذري تربه ويثيره * إثارة نبّاث الهواجر مخمس « 1 » أي : تثير الأرض مرحا ونشاطا لا حرثا وعملا .

--> ( 1 ) ينظر ديوانه : ( 102 ) ، القرطبي : 1 / 307 ، الدر المصون : 1 / 259 .